ملا محمد مهدي النراقي

14

جامع السعادات

" زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا " ( 10 ) . وحب جميع ذلك من رذائل قوة الشهوة ، إلا حب تسخير القلوب لقصد الغلبة والاستيلاء ، فإنه من رذائل قوة الغضب - كما تقدم - وبذلك يظهر أن حب الدنيا المتعلق بقوة الشهوة أعم من الشره بأول تفسيريه - كما أشير إليه - . وأما ماهيتها في حق العبد ، فعبارة عن جميع ماله قبل الموت ، كما أن بعد الموت عبارة عن الآخرة ، فكل ما للعبد فيه نصيب وشهوة وحظ وغرض ولذة في عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقه ، وللعبد فيه علاقتان ، علاقة بالقلب : وهو حبه له ، وعلاقة بالبدن : وهو إشغاله بإصلاحه ، ليستوفي منه حظوظه . إلا أن جميع ماله إليه ميل ورغبة ليس بمذموم ، وذلك لأن ما يصحبه في الدنيا وتبقى ثمرته معه بعد الموت - أعني العلم النافع والعمل الصالح - فهو من الآخرة في الحقيقة ، وإنما سمي بالدنيا باعتبار دنوه ، فإن كلا من العالم والعابد قد يلتذ بالعلم والعبادة بحيث يكون ذلك ألذ الأشياء عنده ، فهو وإن كان حظا عاجلا له في الدنيا ، إلا أنه ليس من الدنيا المذمومة ، بل هو من الآخرة في الحقيقة ، وإن عد من الدنيا من حيث دخوله في الحس والشهادة ، فإن كل ما يدخل فيهما فهو من عالم الشهادة - أعني الدنيا - ولذا جعل نبينا - ( ص ) الصلاة من الدنيا ، حيث قال : " حبب إلي من دنياكم ثلاث : الطيب ، والنساء ، وقرة عيني في الصلاة " ، مع أنها من أعمال الآخرة . فالدنيا المذمومة عبارة عن حظ عاجل ، لا يكون من أعمال الآخرة ولا وسيلة إليها ، وما هو إلا التلذذ بالمعاصي والتنعم بالمباحات الزائدة على قدر الضرورة في تحصيل العلم والعمل . وأما قدر الضرورة من الرزق ، فتحصيله من الأعمال الصالحة - كما نطقت به الأخبار - قال رسول الله ( ص ) : " العبادة سبعون جزءا ، أفضلها طلب الحلال " . وقال ( ص ) : " ملعون من ألقى كله على الناس " ،

--> ( 10 ) آل عمران ، الآية : 14 .